تجربة الأوقاف النيوزيلندية في تطوير فقه وتطبيق الوقف النقدي المؤقت — وصلة ذلك بأعمال منتدى قضايا الوقف الفقهية الـ 12 — أعلى مرجعية فقهية لأحكام الوقف في العالم الإسلامي
يتردد سؤال في أروقة المؤسسات التمويل الإسلامي لم يجد جوابه الفقهي الكافي حتى اليوم: ما الفرق الحقيقي بين الوقف النقدي المؤقت والقرض النقدي الحسن؟ ولماذا لا نكتفي بصندوق قرض حسن مباشرة بدلاً من صندوق وقف نقدي مؤقت لغرض الإقراض الحسن؟ تجربة الأوقاف النيوزيلندية خلال أكثر من عقد هي أكثر الأجوبة العملية وضوحاً على هذا السؤال.
تأسست الأوقاف النيوزيلندية (Awqaf New Zealand) عام 2011م في أوكلاند بنيوزيلندا، بهدف محدد ودقيق: "تحويل المُهدَر من الموارد الخيرية إلى مصادر تمويل وقفي". وقد كان تركيزها الأول على الهدر الهائل في مشاريع أضاحي مسلمي العالم الغربي، إذ تُهدر كميات ضخمة من مخلفات الأضاحي.
من أقصى جنوب الكرة الأرضية، وتحديدًا من نيوزيلندا، أثبتت هذه المؤسسة الصغيرة أن الالتزام الفقهي الصارم والابتكار العملي لا يتعارضان، بل يتكاملان في نموذجٍ فريد يجمع بين الأصالة والتجديد.
🏆 الفائز بجائزة الاقتصاد الإسلامي 2013م — فئة الأوقافلم تبنِ الأوقاف النيوزيلندية نموذجها في فراغ، بل ارتكزت على مسيرة طويلة من قرارات المجامع الفقهية الدولية والمعايير الشرعية المعتمدة، وفيما يلي أبرزها:
أقرّ القرار رقم 140 (15/6) صراحةً بأن وقف النقود جائز شرعاً، لأن المقصد الشرعي من الوقف وهو حبس الأصل وتسبيل المنفعة يتحقق فيه، وأن النقود لا تتعين بالتعيين وإنما تقوم أبدالها مقامها. وأجاز وقف النقود للقرض الحسن وللاستثمار.
خصصت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) المعيار الشرعي رقم 33 للوقف، وعرّفته بأنه "حبس العين عن التصرف فيها مع التصدق بمنافعها في مجال الخير والبر". كما أجاز المعيار الوقف المؤبد والمؤقت، وأقرّ وقف النقود للاستثمار وللإقراض المشروع.
أقرّ القرار رقم 181 (19/7) مبدأ التأقيت في الوقف صراحةً، إذ نصّ على أنه إذا كان الوقف مؤقتاً فيُعكف حسب اشتراط الواقف، وأن التوقيت يجوز في كل أنواع الموقوفات بإرادة الواقف. ويُعدّ هذا القرار الركيزة الفقهية الكبرى لنموذج الأوقاف النيوزيلندية.
يُعدّ المعيار رقم 60 (المعدَّل) الأكثر تفصيلاً في معالجة الوقف المؤقت ووقف النقود والصناديق الاستثمارية. نصّ على جواز وقف النقود للقرض الحسن أو الاستثمار، وحدّد أن يُعدّ النقد المسمى وقت الوقف هو الأصل الموقوف، ولا أثر لتغير القوة الشرائية على قيمة الأصول النقدية الموقوفة.
الأصل أن يكون الوقف مؤبداً، ويجوز أن يكون مؤقتاً بمدة أو مقيداً، فإذا انتهت مدة الوقف أو حصل ما قُيِّد به، عاد الموقوف إلى المالك أو ورثته.
عام 2016م كلّفت الأوقاف النيوزيلندية شركة إسرا للاستشارات الشرعية في المالية الإسلامية التابعة للأكاديمية العالمية للبحوث الشرعية في المالية الإسلامية (إسرا) بماليزيا بإجراء دراسة فقهية معمّقة للتأكد من صحة نموذج الصندوق الوقفي الذكي ومطابقته للشريعة الإسلامية.
قدّمت شركة إسرا الدراسةَ ونموذجَ الصندوق الوقفي الذكي على الهيئة الشرعية للأكاديمية العالمية للبحوث الشرعية في المالية الإسلامية. وبفضل الله، تم اعتماد النموذج من قِبل 9 علماء مسلمين متخصصين في المالية الإسلامية على مستوى العالم، بناءً على فقه الوقف النقدي المؤبد والمؤقت.
وبعدها أجرت الأوقاف النيوزيلندية خمس ورش عمل متخصصة للتشاور مع المؤسسات الوقفية والمالية الإسلامية في:
من خلال هذه الورش، والمناقشات العميقة مع مسؤولي التمويل الإسلامي والمؤسسات الوقفية بعدة دول إسلامية وجاليات إسلامية في دول غير إسلامية، ظهر استشكال فقهي محوري: صعوبة شرح الفروق الحقيقية بين "الوقف النقدي المؤقت" و"القرض النقدي الحسن" لشرائح المجتمع المتعددة. وهذا الإشكال تحديداً هو ما دفع الأوقاف النيوزيلندية للتواصل مع اللجنة الشرعية للأمانة العامة للأوقاف بالكويت.
في عام 2018 تمَّ اكتشاف إشكال فقهي جوهري له أثر كبير في صياغة عقد التمويل الوقفي، يتمثل في ضرورة التمييز بين الوقف النقدي المؤقت والقرض الحسن عند بناء المنتجات الوقفية.
يشترك العقدان في الظاهر: كلاهما ينطوي على تقديم نقود لأجل مسمى ثم ردّ ما يعادلها، وهذا التشابه الظاهري حمل بعضهم على التشكيك في جدوى التمييز بينهما. لكن علم الفروق الفقهية يكشف تبايناً جوهرياً بالغ الأثر:
| وجه المقارنة | الوقف النقدي المؤقت | القرض النقدي الحسن |
|---|---|---|
| طبيعة العقد | تبرع بالمنفعة مع بقاء الأصل | تمليك للمال مع التزام الرد |
| ملكية العين | تبقى للواقف، ولا تنتقل إلى المقترض | تنتقل إلى المقترض بمجرد القبض |
| الذمة المالية | المبلغ ليس ديناً في ذمة الناظر أو المقترض | المبلغ دَيْن واجب في ذمة المقترض |
| الغلة والأرباح | تُوزَّع على المستفيدين وفق شروط الواقف | أي زيادة ربا محرّم — لا يجوز اشتراطها |
| النية والأثر الأخروي | صدقة جارية بالأصل ذاته | أجر الإقراض بلا منفعة مالية |
| التوثيق والضمان | صك وقفي مستقل بذاته، قابل للتوثيق الرسمي | عقد دَيْن بين الطرفين |
| أثر الوفاة | الوقف لا يورَّث، يبقى للمستفيدين | الدَّيْن ينتقل للورثة |
| الزكاة | حكم الزكاة مختلف بحسب توجيه المال | يزكّيه المقترض إذا حال عليه الحول |
إن ما يشترك فيه العقدان ظاهراً يتباين جوهراً تبايناً بالغ الأثر — وهذا الضبط الفقهي هو "المسطرة البرمجية" التي تتوقف عليها هندسة الأوقاف النقدية الرقمية بأسرها.
انطلاقاً من الحاجة لضبط هذه الفروق وتطبيقها، طوّرت الأوقاف النيوزيلندية ما تسميه "الصندوق الوقفي الذكي"، وهو نموذج تمويل وقفي يتكون من أربعة أوعية مالية متكاملة:
١. وعاء الوقف النقدي المؤبد: نقود موقوفة إلى الأبد، تُستثمر وغلتها تذهب للمستفيدين. الأصل لا يُرد.
٢. وعاء الوقف النقدي المؤقت: نقود موقوفة لمدة محددة (مثلاً 3 سنوات)، تُقرض لمشاريع وقفية بلا فائدة، ثم يسترد الواقف أصله عند انتهاء المدة. وهنا يكمن الإبداع الفقهي.
٣. وعاء صندوق وقفي تكافلي: يوفر شبكة أمان للمشاريع الممولة.
٤. وعاء الإرصاد: لدعم القدرات المؤسسية وتطوير الكوادر.
تُذبح سنويًا نحو 50 مليون أضحية حول العالم في عيد الأضحى المبارك،
وتُقدَّر القيمة الاقتصادية التي يولّدها العيد بحوالي
100 مليار دولار (وفق تقديرات منصات الذكاء الاصطناعي).
ورغم هذا الحجم الهائل، يُهدر جزء كبير من القيمة بسبب غياب منظومة وقفية مستدامة
تُنظّم توريد المواشي وتستثمر مخلفاتها.
وهنا تتجلى الفرصة.
تعمل الأوقاف النيوزيلندية حاليًا على إعداد دراسات جدوى لإنشاء مزارع تجريبية
متخصصة في حليب الأغنام في نيوزيلندا وأستراليا وإندونيسيا،
بطاقة تتراوح بين 200 إلى 1,000 رأس، ومصممة وفق
التوقيت القمري لضمان الاستفادة القصوى من الأغنام:
• قبل العيد: منتجات الألبان والأصواف
• بعد العيد: الجلود، الأصواف، العظام لإنتاج الجيلاتين الحلال
ويُموَّل هذا النموذج عبر الوقف النقدي المؤقت،
بانتظار قرارات منتدى قضايا الوقف الفقهية الثاني عشر
التي ستُرسّخ الأساس الشرعي لهذا الابتكار.
يؤدي الذكاء الاصطناعي دوراً متنامياً ومحورياً في مساعدة الأوقاف النيوزيلندية على تحقيق أهدافها الوقفية، وذلك عبر أربعة مسارات عملية:
يُساعد نماذج اللغة الكبيرة في تحليل النصوص الفقهية المعقدة وصياغة الفروق الدقيقة بين عقود التمويل الوقفي، وتلخيص قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي ومعايير أيوفي.
تُستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي في صياغة المراسلات الشرعية مع المؤسسات الوقفية والمجامع الفقهية بدقة وكفاءة عالية، مما يوفر وقت الفريق الصغير.
يُمكن للذكاء الاصطناعي ترجمة الفروق الفقهية المحررة إلى خوارزميات رقمية ذاتية التنفيذ (Smart Contracts)، تضمن استقلال العين الموقوفة وتكفل استرداد الواقف لأصله تلقائياً.
يُسهم الذكاء الاصطناعي في التواصل مع الجاليات الإسلامية في نيوزيلندا وأستراليا وإندونيسيا وفي جميع دول العالم بلغاتهم المختلفة، وتبسيط المفاهيم الوقفية للجمهور العام .
تتترقب الأوقاف النيوزيلندية بشغف كبير انعقاد منتدى قضايا الوقف الفقهية الثاني عشر للأمانة العامة للأوقاف بالكويت، إذ يتناول موضوعين مفصليين تماماً لنموذج الصندوق الوقفي الذكي:
إن دمج فقه الوقف النقدي المؤقت مع فقه الأوقاف الرقمية — وهو ما ينتظر قرارات المنتدى الثاني عشر — سيخلق منصة مصرفية من نوع فريد: البنك الوقفي الرقمي، وهو منصة تدير "سيولة وقفية دوارة" تعتمد على عقود الوقف النقدي المؤقت لضمان بقاء الأصول ونماء المنافع.
يرتكز هذا البنك على ثلاث ركائز:
الركيزة الأولى — الوقف النقدي المضبوط: صك وقفي نقدي مؤقت واضح الأركان، مفروق فقهياً عن القرض الحسن، في انتظار ضبط منتدى قضايا الوقف الفقهية لأحكام فقه الوقف النقدي المؤقت.
الركيزة الثانية — التوثيق الرقمي الشرعي: توثيق عقود الوقف النقدي المؤقت والمؤبد وتتبع الأصل وتوزيع الغلة عبر تطبيق شعيرتي وقفي بما يوفر الشفافية الكاملة التي يطلبها مسلمو المهجر.
الركيزة الثالثة — الصندوق الوقفي الذكي: ربط شعائر إسلامية متعددة (الأضحية، العمرة، العقيقة) بالتمويل الوقفي عبر تطبيق ذكي يحوّل كل شعيرة إلى وقف نقدي يغذّي مزارع الأضاحي ويعيد الغلة للمستفيدين تلقائياً.